محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
86
الآداب الشرعية والمنح المرعية
وعن ابن مسعود أنه كره كتابة العلم وكذا روي عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري والزهري وغير واحد أنهم كرهوا ذلك ، وقال أبو هريرة : لا نكتب ولا نكتم ، وقال ابن جريج : أخبرني الحسن بن مسلم عن سعيد بن جبير أن ابن عباس كان ينهي عن كتابة العلم وقال : إنما أضل من كان قبلكم الكتب ، قال البيهقي : وإنما ذلك للمعنى الذي أشرنا إليه أو نحوه ، وقال أيضا : لعله صلى الله عليه وسلم أذن في الكتابة لمن خشي عليه النسيان ونهى عن الكتابة لمن وثق بحفظه ، أو نهى عن الكتابة حين خاف الاختلاط ، وأذن في الكتابة حين أمن منه فقال الأوزاعي : كان هذا العلم كريما يتلافاه الرجال بينهم فلما دخل في الكتب دخل فيه من ليس من أهله . وقال أبو كريب كان عيسى عليه السلام يقول : لا خير في علم لا يعبر معك الوادي ، ولا يعمر بك النادي ، قال في شرح مسلم أجمعت الأمة على استحباب كتابة العلم بعد ذلك وأجابوا عن أحاديث النهي بخوف اختلاط القرآن بغيره قبل اشتهاره فلما اشتهر وأمن ذلك جاز . والجواب الثاني أنه نهي تنزيه لمن وثق بحفظه وخيف اتكاله على الكتابة . وقال الثوري : معرفة معاني الحديث وتفسيره أشد من حفظه ، وقال وكيع : قال إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع وكان ثقة : كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به . وسأل مهنا أحمد ما الحفظ ؟ قال : الاتقان هو الحفظ ، وقال عبد الرحمن بن مهدي : الحفظ الاتقان ولا يكون إماما في العلم من يحدث بكل ما سمع ولا يكون إماما في العلم من يحدث بالشاذ من العلم . وقال المروذي : إن أبا عبد الله قال : ما أنفع مجالس أصحاب الحديث ! قلت : كيف مجالستهم وهم يغتابون قال : ما أنفع مجالستهم ! يعرف الرجل الحديث بهم . وروى الخلال عن ابن سيرين قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسون في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم حلقا يتذاكرون الحديث ويتراجزون الشعر ، وروى أحمد عن عبد الله هو ابن مسعود قال : تذاكروا الحديث فإن حياته المذاكرة ، وعن علقمة قال : أطيلوا ذكر الحديث لا يدرس ، وعن وهب بن منبه قال : مجلس يتنازع فيه العلم أحب إلي من قدره صلاة ، روى ذلك الخلال ، وذكر البيهقي في كتاب المدخل من حديث شعبة عن علي ابن الحكم عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلسوا كان حديثهم يعني الفقه إلا أن يقرأ رجل سورة أو يأمروا أحدهم أن يقرأ سورة ، وعن علي رضي الله عنه قال : تذاكروا الحديث فإنكم إن لم تفعلوا ذلك اندرس العلم ، وقال أبو سعيد : تذاكروا الحديث فإن الحديث يهيج الحديث . وقال عمر المهاجري عن ابن عباس : إن له لسانا سئولا ، وقلبا عقولا رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عنه ، وروى أحمد عن جرير عن مغيرة قال : قال رجل لابن عباس : بم أصبت هذا العلم ؟ قال بلسان سئول ، وقلب عقول ، وقال ابن وهب عن يونس ، قال الزهري العلم خزائن وتفتحها المسألة . وروي عن الزهري أنه كان يرجع إلى منزله وقد سمع حديثا كثيرا فيعيده على جارية له من أوله إلى آخره كما سمعه ويقول لها إنما أردت أن أحفظه ، وكان غيره يعيده على